وهبة الزحيلي
35
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الحقّ الثابت الذي لا شبهة فيه ، كاشفة حقيقة الأمر في الدّنيا والآخرة . واللّه لا يريد ظلما للعباد ، أي ليس بظالم ، بل هو الحاكم العدل الذي لا يجوز ؛ لأنه القادر على كلّ شيء ، العالم بكلّ شيء ، ولأن الظلم يصادم الحكمة والكمال في النّظام وفي التّشريع ، فلا يحتاج إلى ظلم أحد من خلقه ، وأما ما يأمر به وينهى عنه ، فإنما يريد هدايتهم إلى أقوم الطّرق ، فإذا خرجوا عن حدود الطّاعة وفسقوا كانوا هم الظالمين لأنفسهم ، والظالم هو الذي سبب لنفسه العقاب ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود 11 / 102 ] ، وقال : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ ، وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [ هود 11 / 117 ] . ومما يدلّ على عدم احتياج اللّه لظلم أحد من خلقه : أن جميع ما في السماوات والأرض من مخلوقات وكائنات ملك له وعبيد له ، وأنهم إليه راجعون ، فهو الحاكم المتصرّف في الدّنيا والآخرة . فقه الحياة أو الأحكام : أوّلا - إنّ الدعوة إلى الإسلام ونشرها في آفاق العالم والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من فروض الإسلام الكفائية ، لقوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ، فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [ التوبة 9 / 122 ] . ويجب أن يكون الدّعاة علماء بما يدعون الناس إليه ، وقائمين بفرائض الدّين ، وهم الذين وصفهم اللّه تعالى بقوله : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ ، وَآتَوُا الزَّكاةَ ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [ الحج 22 / 41 ] ، والسبب أن الدّاعية هو القدوة الحسنة والمثل الصالح